م / طلب ايفاد

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
19/10/2011 06:00 AM
GMT



 السيد المدير العام المحترم

أرجو التفضل بإيفادي الى محافظة البصرة ، وذلك لسقي ما تيبّس من عروق القلب وهي فرصةٌ أيضاً للعودة الى طين الإنسان الأول، حيثُ راؤهُ المفتوحة ، وما تبقّى من الطيبة...

سيجري العملُ في الإيفاد على جمع أكياس البياض، ودراسة مقصورةٍ تجتمعُ تحتها البصريّات عصراً على الكورنيش.

كما من المقرّر في إيفادي هذا أن أسير في العشّار، ورُبَّما ألتهم قطعة (سمبوسة) بمعيّة شعراء مجانين ونحنُ نتشاتمُ بالفُصحى والإيماءات، ورُبّما – ان سمح الوقتُ – سأسيرُ في شارع بشّار؛ لا لشيء ، بل فقط لإسترجاع لون الشَّارع الخاكيّ حينَ كان الجّنودُ يعودون الى البصرة من أجل بقايا نساء و بقايا كأس قبل تناول صحن المنيّة هناك.

ولشارع الجزائر حكايةٌ أخرى، متبغددة ، أو مُتخلجنة ، فأنتَ ؛ حينَ تركنُ روحَك قبل سيّارتك في احدى الكَراجات، وتسير على أطراف احساسك ناظراً الى مَنْ نزلنَ خطأً نحو البلاد ليمارسنَ الفقدان والفجيعة.

ومن المزمع السير قرب ساعة المعقل، وسماع تنهّدات الماء بعد خطّ المنازل، والانتباه الى صوت منبّه الناقلة الكبيرة وهي تنامُ على جُرف الميناء.

أمّا الهدفُ الأساسي من الإيفاد فهو احصاء العصافير في بستان طالب عبد العزيز، الخصيبيّ الذي يتّسعُ صدره كلّما ضاقت القصيدة بوجوهنا. رُبَّما سأحملُ مجرفتي ونحاولُ أن نحرث شيئاً من أرضه قبل الخُلود الى نغمات سعد اليابس، وشلّة أخرى أرى ملامحهم في قصائده وهي "تُتمرُ" بصرةً قريبةً من الوريد وبعيدة عن العين.

من المقرّر أيضاً – في الإيفاد – محاولة زيارة كاظم الحجاج، أستاذنا الذي اكتشف أنّ بلاده التي توفّرُ الأخضر بالأكوام تعجزُ عن توفير 5 أمبيرات كهرباء تمنحه الضّوء. رُبّما سيبتسمُ لي الحظ وأنال من محمّد خضيّر أكثر من ابتسامة، ورُبّما سيقهقه لي الحظّ ويوافق على اجراء حوار حتى وان كان من نوعيّة "شلونك شلون صحتك!".

بعد ذلك سنمرّ على علي الإمارة وهو يُدوزنُ خسارات مدينته التي تشيخ حين يهربُ مقاولوها بأموال البناء بينما يستمرّ الأطفال السّمر ببيع العلكة في اشارات المرور.

وأتمنى أن أوفّق أثناء الإيفاد بالتسكّع في البصرة، فليلُها المدنيّ قصير وإنْ كان أطول من ضفيرة بصريّة ريفيّاً.

سأصغي الى تنهّدات الأرض وهي تعطشُ وتدفعُ ثأراً لا يخصّها، وربّما سأمرُ على البنايات الموشومة بقنابل الثمانينيات وصواريخ التسعينيات ورصاص الألفينات! سأرى ملامح "فرسان" صالوا وتحوّلوا الى طغاة يسومون بصرتي سوء العوز، حين يشحّ الرغيف و ينفطر الحائط بعد حسرةٍ واحدة من أمّ "مُديْنيّة" تُحار بِمَ تُطعمُ أبناءها.

بعد ذلك – سيادة المدير العام – سأذهبُ الى الزبير، لأرى حنابلة وشوافع وأحنافا يحلفون بالعبّاس، وسمراوات يكتظّ فيهنّ بلحُ الأرض.

وللأموات أيضاً حصةٌ بالإيفاد، فالحسنُ البصريّ لا يزالُ يحتضنُ موتانا، وبجنبه رابعة وهي تغسلُ جسد البريكان المثقّب من دمٍ تيبّس على جسده وعلى شفاه القصيدة. ومن هناك سأزورُ مهدي عيسى الصقر لأخبره أنني وجدتُ – أخيراً – نسخةً من "الشّاهدة والزنجيّ"، ورُبّما سأكتبُ عنها وإن كنتُ "خُمس" ناقد!

سأمرّ على أمّهاتي جميعاً وهنّ يرينَ ابنهنّ البغداديّ بعد أن اختلطت الأصول؛ وآبائي وهُم يجلسون بالمقاهي مدخّنين "أركَيلة تتن"، ومن نوعيّة لا نستطيعُ نحنُ – شاربي المارلبورو – تدخين شهقة واحدة منها.

سأجلسُ قربَ شيخٍ، أيّ شيخ، لأرى البصرة بين وقتين. بين خمسينيات كانت النساءُ فيها يرتدينَ "الأبيض القصير" وبين سوادٍ لفّ حتّى الملامح ولم يكتفِ بتكبيل جدائل لو شاء اللهُ لها حريّةً لأسكرتْ كلّ مَنْ رآها.

وسأختتمُ ايفادي بشراء علبتيْ حلوى (نهر خوز)، إحداهُما لي والثانية لكَ سيادة المدير العام.

مع التقدير